فخر الدين الرازي
255
تفسير الرازي
بعضهم : إنه تعالى إنما وصفه بكونه : * ( منكراً من القول وزوراً ) * لأن الأم محرمة تحريماً مؤبداً ، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريماً مؤبداً ، فلا جرم كان ذلك منكراً من القول وزوراً ، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه ، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة ، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة . قوله تعالى : * ( إن أمهاتهم إلا ( اللائي ) ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ) * أما الكلام في تفسير لفظة اللائي ، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله : * ( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ) * ( الأحزاب : 4 ) ثم في الآية سؤالان : وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة ، وهذا مشكل ، لأنه قال في آية أخرى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * ( النساء : 23 ) وفي آية أخرى : * ( وأزواجه أمهاتهم ) * ( الأحزاب : 6 ) ولا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أماً ، وزوجة الرسول أماً ، حرمة النكاح ، وذلك لأنا نقول : إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة ، فإذاً لا يلزم من عدم كون الزوجة أماً عدم الحرمة ، وظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة ، وحينئذ يتوجه السؤال والجواب : أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل : الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة ، ولم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سبباً لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة ، فإذاً لا تحصل الحرمة هناك البتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً . ثم قال تعالى : * ( وإن الله لعفو غفور ) * إما من غير التوبة لمن شاء كما قال : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * أو بعد التوبة . * ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . قوله تعالى : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) * قال الزجاج : * ( الذين ) * رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة ، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلاً عليه ، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة ، ولا بد أولاً من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة ، وثانياً من بيان أقوال أهل الشريعة ، وفيها مسائل :